أبي هلال العسكري

27

ديوان المعاني

الشاعر وفقا لإدراكه لعلاقات تصويرية تخييلية جديدة تفرّد بها عن السابقين عليه ، هو الذي تتحقق فيه السرقة إذا أخذه اللاحق عن السابق دون أن يضفي عليه من قريحته علاقات تصويرية جديدة « 1 » . وهذه الروح العلمية البعيدة عن التعصب أو التحيز قد وجدناها أيضا عند القاضي عبد العزيز الجرجاني « 2 » ، وقد تبلورت في شكلها النهائي عند عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم . ونظن ظنا أن ما أتاح لأبي هلال الخروج عن دائرة التعصب في موقفه من قضية السرقات حتى أنه لم يذكرها في ديوان المعاني بصورة خاصة وفي مؤلفاته بصورة عامة إلّا عرضا أو في سياق أقوال الآخرين - هي موهبته الشعرية الإبداعية التي أتاحت له نظرة موضوعية في قضية التداول ، خاصة وإنه تداول المعاني الشعرية العامة بينه وبين الأعلام من الشعراء السابقين عليه « 3 » ، مما جعله يدرك حقيقة الإبداع الفني الذي يميزه التعبير الخاص عن الفكرة العامة ، مما يحقق الخصوصية الإبداعية التي تصم من يقلدها تقليدا جامدا بالسرقة ، على أن من يتخذها كأدوات وقاعدة ينطلق من خلالها إلى خلق علاقات جديدة في اللغة ، سواء على المستوى الدلالي أو الصوتي فلا يوصم بالسرقة ، بل ينظر إليه على أنه أولى به ممن تقدمه علي حد تعبير أبي هلال العسكري في قوله : من أخذ معنى بلفظه كان له سارقا ، ومن أخذه ببعض لفظه كان سالخا ، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده أجود من لفظه كان هو أولى به ممن تقدمه « 4 » .

--> ( 1 ) محمد مندور ، النقد المنهجي عند العرب 324 ، 325 ومحمد العمري ، البلاغة العربية أصولها وامتداداتها 301 . ( 2 ) الوساطة 186 . ( 3 ) المطالع لديوان المعاني يجد أمثلة عديدة ومتكررة تؤكد ما ذهبنا إليه . ( 4 ) الصناعتين 218 .